الشيخ محمد رشيد رضا
133
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الصحيحين . وسببه السؤال عن الحج كما تقدم . وأما حديث أبي ثعلبة فقد عزاه الحافظ ابن كثير إلى الصحيح أيضا ولم يسنده ولا أشار إلى من خرجه . وهو في سنن الدارقطني . وأورده صاحب مشكاة المصابيح عنه في الفصل الثاني من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة قال : وعن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول اللّه ( ص ) « ان اللّه فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحرم حرمات فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » ورويناه في الأربعين النووية « 1 » عنه بلفظ « ان اللّه فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحدّ حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » قال النووي : حديث حسن رواه الدارقطني وغيره . وثم وجه ثان في معنى الجملة وهو أنه يقول : ان تسألوا عن تلك الأشياء في زمن نزول القرآن وعهد التشريع يظهرها اللّه لكم - ان كانت اعتقادية ببيان ما يجب ان يعلم فيها ، وان كانت عملية ببيان حكمها ، لان لكل شيء حكما يليق به في علم اللّه وحكمته ، واللّه تعالى يبين لعباده بنص الخطاب ما لا بد لهم منه لصلاح أمري معادهم ومعاشهم - وبفحوى الخطاب أو الإشارة ما يفتح لهم باب الاجتهاد في كل ما له علاقة بأمور مصالحهم ، فيعمل كل فرد أو هيئة حاكمة منهم بما ظهر انه الحق والمصلحة ، وينتهي عما يظهر له انه الباطل والمفسدة ، فيكون الوازع للفرد في المسائل الشخصية من نفسه بحسب درجته في العلم والفضيلة ، وللمجموع في الاحكام والسياسة من أنفسهم أيضا ، لأنه يتقرر بتشاور أولي الامر منهم ، وفي ذلك منتهى السعة واليسر . وإذا كان الامر كذلك فالواجب ان يترك أمر التشريع اليه تعالى لأنه أعلم بمصالح العباد من أنفسهم ، فلا تسألوا عن أشياء ان أبديت لكم أحكامها تسؤكم وتحرجكم ، ومتى سألتم عنها في عهد التشريع لا بد ان تجابوا وتبين لكم ، ولكن هذا البيان قد يسد في وجوهكم باب الاجتهاد الذي فوضه
--> ( 1 ) كتاب الأربعين النووية أول كتاب تلقيته عن الشيوخ ، قرأته في بلدنا ( القلمون ) على استاذنا وشيخ شيوخنا علامة الديار السورية بل العربية الشيخ محمود نشابه ( رحمه اللّه تعالى ) وأجازني به وذلك قبل ان ابدأ بطلب العلوم